السيد محمد حسين الطهراني
17
معرفة الإمام
--> سمعوها ، وأدّوها على وجهها كما لقنوها ، فلم ينلها تغيّر ولا اعتراها تبديل ، وممّا وقر في أذهان الناس أنّ هؤلاء الرواة قد كانوا جميعاً صنفاً خاصّاً بين بني آدم في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة . . . ولقد كان ولا جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إلَّا مَنْ عَصَمَ رَبُّكَ - فاعتقدوا أنّ هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز ، من وجوب التسليم بها ، وفرض الإذعان لأحكامها ، بحيث يأثم أو يرتدّ أو يفسق من خالفها ، ويستتاب من أنكرها أو شكّ فيها . انظر : « أضواء على السنّة المحمّديّة » ، ص 54 ، ولا مجال للردّ على فريته هذه هنا ، وسيظهر لنا اهتمام النقّاد والرواة وضبطهم في الفصول التالية من هذا الكتاب . ولقد أمعنتُ النظر كثيراً في جميع مطالبه المذكورة في كتابه الذي يربو على خمسمائة صفحة فلم أعثر على كلام رصين ومنطق محكم يمكن أن يصمد أمام منطق أبي ريّة . وها أنّي أترك الدور لكم فابحثوا وقفوا على وهن كلامه ! وأمّا التشهّدات التسعة التي نقلها محمّد عجّاج ثمانيةً خطاً ، فإنّ الجواب الذي أتى به من عبد الرحمن اليمانيّ في « الأنوار الكاشفة في الردّ على أبي ريّة » هو : هذه التشهّدات كلّها صحيحة وكان النبيّ يعلّم أصحابه التشهّد بألفاظ مختلفة ، ( ص 140 ) . وقال في هامش هذه الصفحة بعد إشكال أبي ريّة على تعدّد التشهّد ( انظر : « أضواء على السنّة » ص 63 ) : إنّه يريد أن يشكّكنا حتى فيما نتعبّد به وفيما ثبت متواتراً . والردّ على أبي ريّة وعلى دعواه في طيّ عبارته . فلو تجرّد وانطلق إلى أفق أوسع من افُقه ما استغرب تعدّد هذه الصيغ ولا فتح على المسلمين باب الشكّ والريبة ولا شكّك في الصحابة حفظة الشريعة وحرّاسها . أجل ، إن بطلان جواب اليمانيّ حول تعدّد ألفاظ التشهّد المُجزية كلّها ، والتي أيّدها محمّد عجّاج ، أمر واضح بيّن ، ذلك أنّ الذي يستبين من سيرة العامّة وتأريخهم أنّهم كانوا يرون أنّ تشهّداً خاصّاً واحداً مُجزٍ ، وغيره باطل . فلهذا أخذ كلّ مذهب بتشهّد واحد بخصوصه . ولو قُدِّر أنّ مطلق التشهّد يكفي ، وأنّ التشهّدات جميعها صحيحة ومُجزية عندهم ، لما كان لهذا الصراع وجود موضوعيّ . وكلام عمر على المنبر ، وكلام أبي موسى الأشعريّ ، وغيرهما يدلّ على إلزام المأمومين بتشهّد واحد كانوا يقرأونه وقد سمعوه من النبيّ ، وغيره لا يُجزي والصلاة به باطلة . ( 1 ) وكنّا لا نكتب إلّا القرآن والتشهّد . « تقييد العلم » للخطيب البغداديّ ، ص 93 . ( 2 ) عن حطّان بن عبد الله الرقاشيّ قال : صلّيتُ مع أبي موسى الأشعريّ وبعد الصلاة قال : أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم ؟ ! إن رسول الله خطبنا فبيّن لنا سُنننا ، وعلّمنا صلاتنا وذكر التشهّد ، فإذا هو التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ . . . إلى آخره ، « صحيح مسلم » ج 2 ، ص 13 . ( 3 ) « المغني » ؛ و « الشرح الكبير » ج 1 ، ص 575 . ( 4 ) هذا ما أمكن إحصاؤه من التشهّدات ولم يتّفق أئمّة الفقه على تشهّد واحد منها ، بل اختلفوا فيها ، فاختار أبو حنيفة وأحمد تشهّد ابن مسعود . واختار مالك تشهّد عمر بن الخطّاب ، واختار الشافعيّ تشهّد ابن عبّاس . ( 5 ) « الشفاء » ج 2 ، ص 55 .